صديق الحسيني القنوجي البخاري
44
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
ابن جريج « 1 » نحوه . وأخرج أبو داود في « ناسخه » وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في « سننه » عن ابن عباس في قوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ الآية ، وقوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ [ الشورى : 40 ] ، وقوله : وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ [ الشورى : 41 ] ، وقوله : وَإِنْ عاقَبْتُمْ [ النحل : 126 ] ، قال : هذا ونحوه نزل بمكة والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى . فأمر اللّه المسلمين من يجازي « 2 » منهم أن يجازي بمثل ما أوتي إليه أو يصبروا ويعفوا . فلما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى المدينة وأعزّ اللّه سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم ، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية « 3 » فقال : وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً [ الإسراء : 33 ] . يقول ينصره السلطان حتى ينصفه ممن ظلمه « 4 » . ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم اللّه . انتهى . وأقول : هذه الآية التي جعلها ابن عباس رضي اللّه عنه ناسخة مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له ، فإن الظاهر من قوله : فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً أنه جعل السلطان له ، أي جعل له تسلطا يتسلط به على القاتل ، ولهذا قال : فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ . ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصا للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخا لها ؛ فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده . وتلك الآيات شاملة له ولغيره ، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في تفسير كلام اللّه سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) انظر « تفسير الطبري » [ 2 / 204 ] ح [ 3147 ] . ( 2 ) جاء في فتح القدير [ 1 / 192 ] [ بنجازى ] . ( 3 ) انظر تفسير الطبري [ 2 / 205 ] ح [ 3148 ] . ( 4 ) جاء في فتح القدير [ 1 / 193 ] [ على من ظلمه ] .